القرطبي

184

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية . وقيل : " استعصم " أي استعصى ، والمعنى واحد . ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ) عاودته المراودة بمحضر منهن ، وهتكت جلباب ( 1 ) الحياء ، ووعدت بالسجن إن لم يفعل ، وإنما فعلت هذا حين لم تخش لوما ولا مقالا خلاف أول أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها . ( وليكونا من الصاغرين ) أي الأذلاء . وخط المصحف " وليكونا " بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد ، ونون التأكيد تثقل وتخفف والوقف على قوله : " ليسجنن " بالنون لأنها مثقلة ، وعلى " ليكونا " بالألف لأنها مخففة ، وهي تشبه نون الإعراب في قولك : رأيت رجلا وزيدا وعمرا ، ومثله قوله : " لنسفعا بالناصية " ( 2 ) ونحوها الوقف عليها بالألف ، كقول الأعشى : ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا أي أراد فاعبدا ، فلما وقف عليه كان الوقف بالألف . قوله تعالى : قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ( 33 ) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ( 34 ) قوله تعالى : ( قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه ) أي دخول السجن ، فحذف المضاف ، قاله الزجاج والنحاس . " أحب إلي " أي أسهل علي وأهون من الوقوع في المعصية ، لا أن دخول السجن مما يحب على التحقيق . وحكي أن يوسف عليه السلام لما قال : " السجن أحب إلي " أوحى الله إليه " يا يوسف ! أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب إلي ، ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت " . وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ : " السجن " بفتح السين وحكى أن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق

--> ( 1 ) في ع : حجاب ( 2 ) راجع ج 20 ص 125 . ( 3 ) صدر البيت : وذا النصب المنصوب لا تنسكنه وهو من قصيدة يمدح بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .